كريم نجيب الأغر

550

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

لقد بيّنت لنا الأحاديث الشريفة سالفة الذكر دور الصبغيات في توارث الصفات من الآباء إلى الأبناء ، كما أنها بيّنت لنا دور الصبغيات في تخلق الجنين . أما هذا الحديث فهو يمتاز عن الأحاديث الأخرى بأنه يسلط الضوء على دور آخر للصبغيات وهو تسبب الصبغيات في إحداث الأمراض عبر طفراتها . 7 - السبب الوراثي لتنوع خلق الحيوانات : قال اللّه تعالى : وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ النور : 45 ] . نفهم من ظاهر الآية الكريمة أن كل دابة - أي كل ما يدب على الأرض - خلقت من ماء . هذا الماء ليس هو « الماء » الذي نشربه ونسقي به الزرع . . . ، والدليل على ذلك : أنه نكّر ، أي جاء في صيغة النكرة ، ولم يعرّف بأل التعريف . فلو عرّف بأل التي هي للجنس ، لأصبح من ألفاظ الأجناس التي تدل على الماهية « 1 » . جاء في تفسير الألوسي : « . . . وتنكير الماء هنا وتعريفه في قوله تعالى : وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [ الأنبياء : 30 ] لأن القصد هنا إلى معنى الإفراد شخصا أو نوعا والقصد هناك إلى معنى الجنس . . . » « 2 » . وبالتالي فإن الآية تشير إلى ماء معين . وبما أن السياق القرآني يتكلم عن الدواب ، فإن هذا الماء مخصوص بتلك الدواب ، بل مخصوص بكل دابة ذكرت في الآية . جاء في البحر المحيط : « . . . ونكر الماء هنا وعرف في : وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [ الأنبياء : 30 ] لأن المعنى هنا : خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ [ النور : 45 ] من نوع من الماء مختص بهذه الدابة » « 3 » .

--> ( 1 ) أصول الفقه الإسلامي ، د . إبراهيم السلقيني ، تقسيم اللفظ باعتبار ظهور الدلالة على معناه وخفائها ، ص 280 . ( 2 ) تفسير الألوسي - ( ج 18 / ص 192 ) . ( 3 ) البحر المحيط - ( ج 6 / ص 465 ) .